ابو القاسم عبد الكريم القشيري

613

لطائف الإشارات

متصلة « 1 » ؛ وهذه صفة الغرباء . . وإن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ . ويقال نور القلب : ثم موجبه هو دوام الانزعاج فلا يذره يعرّج في أقطار الكسل ، فيصل سيره بسراه في استعمال فكره ، والحقّ يمده : بنور التوفيق حتى لا يصده عن عوارض الاجتهاد شئ من حبّ رياسة ، أو ميل لسوء ، أو هوادة . فإذا أسفر صبح غفلته ، واستمكن النظر من موضعه حصل العلم لا محالة . ثم لا يزال يزداد يقينا على يقين مما يراه في معاملته من القبض والبسط ، والمكافأة والمجازاة في زيادة الكشف عند زيادة الجهد ، وحصول الوجد عند أداء الورد . ثم بعده نور المعاملة ، ثم نور المنازلة ، ثم متوع نهار المواصلة . وشموس التوحيد مشرقة ، وليس في سماء أسرارهم سحاب ولا في هوائها ضباب ، قال تعالى : « نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ » . ويقال نور المطالبة يحصل في القلب فيحمل صاحبه على المحاسبة ، فإذا نظر في ديوانه ، وما أسلفه من عصيانه يحصل له نور المعاينة ، فيعود على نفسه باللائمة ، ويتجرّع كاسات ندمه ، فيرتقى عن هذا باستدامة قصده ، والتّنقّى عما كان عليه في أوقات فترته . فإذا استقام في ذلك كوشف بنور المراقبة ؛ فيعلم أنّه - سبحانه - مطّلع عليه . وبعد هذا نور المحاضرة وهي لوائح تبدو في السرائر . ثم بعد ذلك نور المكاشفة وذلك بتجلّى الصفات . ثم بعده نور المشاهدة فيصير ليله نهارا ، ونجومه أقمارا ، وأقماره بدورا ، وبدوره شموسا . ثم بعد هذا أنوار التوحيد ، وعند ذلك يتحقق التجريد بخصائص التفريد ، ثم مالا تتناوله عبارة ولا تدركه إشارة ، فالعبارات - عند ذلك - خرس ، والشواهد طمس ، وشهود الغير عند ذلك محال « 2 » . عند ذلك : « إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ، وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ، وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ ، وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ » « 3 » ، و « إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ ، و انْفَطَرَتْ . . »

--> ( 1 ) هذا نموذج للتصوف الإسلامي الحق الذي لا تشوبة شائبة حلول أو اتحاد أو امتزاج ، فالرب رب والعبد عبد ، ولا تداخل بينهما . ( 2 ) لأنه لا وجود عندئذ للغير والسوي ، فقد فنى العبد عن نفسه وعن الغير اللّه تماما فناء ذوقيا شهوديا ، لا فناء طبيعيا كما هو الشأن في بعض التصوفات الأخرى . ( 3 ) سورة التكوير .